
تنهدت وهى ترى المترو يتوارى عن ناظريها مسرعا ... كم يشبهها هذا القطار... وحيدا مستمرا فى طريقه للابد بلا رفيق ... اشاحت بوجهها عنه واتخذت طريقها نحو المقهى الذى اعتادت ان ترى فيه اصدقائها ... كانت تسير بخطى متراخية فليس هناك ما يجعلها تسرع جالت بعينيها حولها ... لايوجد تغيير فمنذ فترة لم تعد تحسبها وكل شئ يتراءى لها مجرد ظلال رمادية حتى الاشخاص فى الشوارع كانوا مجرد وجوه رمادية مبهمة الملامح والاشكال تتسارع من حولها وتتلاشي فى الافق ... تسألت : ألم يأن لتلك الظلال ان تختفى ؟؟!! شعرت بالبرد يدب فى اوصالها فاحتضنت ذراعيها جاهدة ان تدفئهما .
تقدمت بخطاها المتأنية ونظرت امامها غير مكترثة و ... وارتجفت فجأة وتوقفت انفاسها ... عندما التقت عيناها بتلك العينان الثاقبتان التى تتفحصانها بدقة وتنفذ نحو اعماق اعماقها ... تسمرت مكانها مسلوبة الارداة بينما صاحب العينين يتقدم نحوها بثبات تقدم الواثق ... ومع كل خطوة يخطوها كانت الظلال الرمادية حولها تتلون بلون الحياة ... ومع كل نظرة من عينيه الحانية كان جليد قلبها ينصهر والدفء يغلفها من كل مكان ...لم تعد تسمع شيئا سوى دقات قلبها المتعالية وصراخه : انه هو ... انه هو ...لابد ان يكون هو بعينيه العميقتين ونظراته الواثقة المطمئنة ... ؟!!!! حقا ؟؟؟؟؟؟؟؟؟! اهو من انتظرته طويلا بشغف ؟؟؟!!! بملامحه المرسومة على جدار قلبها منذ الازل ...
اقترب منها اكثر واكثر وظلت هى مكانها و ... التقت عيناها بعيناه عن قرب لحظة ... توقف الكون ... توقف الزمن ... واستحال المكان من حولها بستانا يانعا ... كانت نظرة عينيه تخترقها وتذيبها فى حنان بالغ وتغمرها بموجة امان لم تعهده من قبل .... تسارعت انفاسها وانطلقت عيناها فى حديث لاينتهى تخبره بمكنون نفسها وتبثه شوق السنين الى هذه اللحظة التى تشرق فيها عيناه فى سماء حياتها فتبدد غيوم وحدتها وتعدها بفجر جديد و... و... و...كانت لا تزال فى مكانها اسيرة لعينيه بينما ظل هو مستمرا فى سيره متجاوزا اياها ... واستفاقت من تأملاتها مشدوهة عندما تلاشي من امامها كأنه لم يكن تلفتت تبحث عنه بعينيها فلم تجد له اثر ... اغمضت عينيها لحظة ثم فتحتهما مجددا ... لقد ... لقد اختفى ؟؟؟؟؟! ... ابتلعته الظلال وتلاشي ... كانت الظلال الرمادية قد عادت اكثر قتامة ... فغمغمت بابتسامة حزينة : احلام وردية !!! ... لعلها تتحقق غدا .. ثم اكملت المسير .

